تتجه الحكومة العراقية إلى توسيع دور البلاد في الاقتصاد الإقليمي من خلال مشاريع استراتيجية للنقل والطاقة والتجارة، في مقدمتها ممرات تربط العراق بسوريا والأردن وتركيا وصولاً إلى أوروبا، ضمن خطة أوسع تستهدف تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
وتفتح هذه التوجهات الباب أمام فرص تعاون اقتصادي جديدة بين دول المنطقة، خصوصاً سوريا التي يمكن أن تستفيد من مشاريع الربط الإقليمي وحركة التجارة والطاقة، في ظل الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتهيئة الظروف لعودة النشاط الاقتصادي والاستثماري.
وقال رئيس هيئة المستشارين في رئاسة الوزراء العراقية، يوسف خلف يوسف، إن الحكومة تتبنى رؤية اقتصادية وإصلاحية تقوم على بناء دولة مستقرة واقتصاد منتج وشراكات متوازنة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من معالجة الأزمات وإعادة الإعمار إلى تحقيق تنمية مستدامة.
وجاءت تصريحات يوسف خلال مشاركته في جلسة حوار نظمها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في البحرين، تناولت مستقبل الاقتصادات الإقليمية والتحديات التي فرضتها الحروب والتوترات الجيوسياسية على التجارة والاستثمار وأسواق الطاقة.
مشروع أنبوب طاقة يمر عبر سوريا
ومن أبرز الملفات التي كشف عنها المسؤول العراقي العمل على مشروع أنبوب استراتيجي لنقل الطاقة، ينطلق من جنوب العراق ويمر عبر سوريا والأردن وتركيا وصولاً إلى أوروبا، بالتعاون مع شركاء إقليميين.
ويمثل هذا المشروع، في حال تنفيذه، فرصة لتوسيع دور سوريا في ممرات نقل الطاقة الإقليمية، وفتح المجال أمام مشاريع مرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية والاستثمارات والبنية التحتية.
وتكتسب هذه المسارات أهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا، مع توجه الحكومة السورية الجديدة نحو إعادة بناء الاقتصاد وتطوير البنية التحتية وتعزيز التعاون مع الدول العربية والإقليمية، بما يساعد على تهيئة بيئة مناسبة للتعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات.
ولم يقتصر الطرح العراقي على أنابيب الطاقة، إذ أشار يوسف إلى مشروع طريق التنمية الذي يهدف إلى ربط الموانئ العراقية بشبكات النقل الممتدة نحو تركيا وأوروبا، وتحويل العراق إلى مركز إقليمي لحركة التجارة.
ومن المنتظر أن تتجاوز آثار هذه المشاريع عمليات نقل البضائع، لتشمل إنشاء مناطق صناعية ومراكز لوجستية وخدمات تجارية، بما يتيح فرصاً جديدة للشركات والمستثمرين في الدول التي تمر بها هذه الممرات.
العراق يريد اقتصاداً أقل اعتماداً على النفط
وفي الجانب الداخلي، أوضح يوسف أن الحكومة العراقية تعمل على تنفيذ برنامج اقتصادي يشمل 14 قطاعاً رئيسياً، ويرتكز على ثلاثة مسارات مترابطة: تعزيز استقرار الدولة، وإصلاح الاقتصاد والمالية العامة، وتطوير الخدمات والتنمية البشرية.
وتسعى بغداد إلى تقليل اعتماد الموازنة على الإيرادات النفطية من خلال دعم الصناعة والزراعة والخدمات والتكنولوجيا والنقل، إلى جانب إصلاح القطاع المصرفي وتحسين إدارة الإنفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية.
كما تتجه الحكومة إلى توسيع دور القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج وتوفير فرص العمل، مع التركيز على تحسين بيئة الأعمال وتعزيز المنافسة وجذب رؤوس الأموال.
وأشار رئيس هيئة المستشارين إلى أن الأزمات الأخيرة أظهرت مخاطر اعتماد الدول على مصدر واحد للإيرادات أو مسار محدود للتجارة، الأمر الذي يجعل تنويع الاقتصاد وتطوير البنية التحتية من الأولويات الأساسية.
التحول الرقمي وإعادة بناء المؤسسات
وتشمل الخطة العراقية أيضاً تطوير المؤسسات الحكومية وإطلاق استراتيجية وطنية للتحول الرقمي، تتضمن تحديث البنية التحتية للاتصالات ومراكز البيانات وأتمتة الخدمات وتعزيز الأمن السيبراني واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأكد يوسف أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على بناء الطرق والجسور والمنشآت، بل يجب أن تترافق مع إصلاح المؤسسات وتطوير الاقتصاد وتحسين الخدمات وتوفير فرص العمل.
وتعكس هذه الرؤية توجهاً عراقياً نحو تعزيز الشراكات الاقتصادية مع دول المنطقة، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى مشاريع تنموية واستثمارات تساعدها على إعادة تأهيل البنية التحتية وتوسيع النشاط الإنتاجي.
وبين مشاريع النقل وممرات الطاقة والإصلاحات الاقتصادية، تبرز سوريا ضمن المسارات الإقليمية التي يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة للتعاون، فيما يبقى تنفيذ هذه المشاريع مرتبطاً بالاتفاقات بين الدول وتوفير التمويل والظروف الفنية والاقتصادية اللازمة.