تتحرك الحكومة السورية لمعالجة ملف الديون والمتأخرات المالية المتراكمة على البلاد، في خطوة ترتبط مباشرة بقدرة الاقتصاد على التعافي واستعادة التعاون مع المؤسسات التنموية الدولية. فالملف لا يقتصر على تسديد مبالغ مستحقة، بل يشمل أيضاً إعادة ترتيب الالتزامات القديمة وتهيئة الظروف لتمويل مشاريع تحتاج إليها قطاعات حيوية داخل سوريا.
وفي هذا السياق، أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية، في 17 تشرين الأول الحالي، إحراز تقدم في مسار تسوية الديون والمتأخرات المستحقة للدول الدائنة والمؤسسات متعددة الأطراف. وجاء ذلك خلال مشاركته في الاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في العاصمة التايلندية بانكوك.
وأوضح برنية أن الحكومة تعمل بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد على إجراء تحليل لاستدامة الدين، بهدف تحديد حجم الالتزامات المالية وقدرة البلاد على تحملها، مشيراً إلى أن دمشق تعتزم نشر تفاصيل الديون القائمة والمتأخرات في وقت لاحق.
وأكد الوزير أن ملف المتأخرات يسير باتجاه الحل، لافتاً إلى أن الحكومة تبحث إمكانية تحويل جزء من الديون إلى استثمارات داخل سوريا، بما يساهم في دعم المشاريع التنموية بدلاً من تحميل الموازنة أعباء إضافية.
كم تبلغ ديون سوريا الخارجية؟
تُظهر البيانات المتاحة حجم التحدي الذي تواجهه المالية العامة. فبحسب بيانات مصرف سوريا المركزي حتى نهاية عام 2024، بلغ الدين الخارجي نحو 22.3 مليار دولار، مقابل ناتج محلي إجمالي قُدّر بنحو 21.4 مليار دولار خلال العام نفسه. وهذا يعني أن حجم الدين يعادل قرابة 104% من الناتج المحلي.
لكن الرقم الأكثر أهمية يتمثل في المتأخرات، أي الأقساط والفوائد التي حل موعد دفعها ولم تُسدّد. ووفق تقديرات الخبير الاقتصادي والمصرفي محمود عبد الكريم، تصل هذه المتأخرات إلى نحو 20.9 مليار دولار، أي ما يقارب 94% من إجمالي الدين الخارجي.
ويعود تراكم جانب كبير من هذه الالتزامات إلى سنوات الحرب، بعدما توقفت سوريا عن سداد عدد من الديون المستحقة منذ عام 2011، في ظل العقوبات والظروف الاقتصادية التي مرت بها البلاد.
وتشير التقديرات نفسها إلى أن نحو 17 مليار دولار من المتأخرات ترتبط بإيران، بينما يتوزع الجزء المتبقي على جهات ودول ومؤسسات مختلفة، بينها مؤسسات تنموية عربية ودولية. وتضم قائمة الجهات الدائنة بنك الاستثمار الأوروبي، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، والبنك الإسلامي للتنمية، والوكالة اليابانية للتعاون الدولي، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية.
ولا تزال الأرقام التفصيلية المستحقة لكل جهة غير منشورة رسمياً، كما لا تتوفر حصيلة معلنة لفوائد التأخير المتراكمة، وهو ما يجعل تحديد القيمة النهائية للالتزامات أمراً يحتاج إلى مراجعة الحسابات والاتفاقيات مع كل دائن.
لماذا يصعب تحديد المبلغ النهائي؟
تعود صعوبة حصر الديون إلى عدة أسباب، أبرزها توقف سوريا عن تزويد البنك الدولي ببيانات الديون منذ عام 2010، إضافة إلى أن الالتزامات موزعة على عملات مختلفة، مثل اليورو والدينار الكويتي والين الياباني، ما يؤدي إلى تغير قيمتها عند احتسابها بالدولار.
كما تختلف شروط السداد والفوائد من اتفاقية إلى أخرى، وقد تترتب على الأقساط المتأخرة فوائد إضافية تزيد من حجم المبالغ المطلوبة.
ويبرز بنك الاستثمار الأوروبي ضمن الحالات التي تتوفر عنها بعض التفاصيل؛ إذ تشير المعلومات التي نقلها الخبير الاقتصادي إلى أن إجمالي التمويلات التي قدمها البنك لمشاريع في سوريا منذ عام 1978 يقترب من 1.4 مليار يورو، لكن هذا الرقم لا يمثل كامل الدين المستحق حالياً، لأن جزءاً من التمويلات سُدد قبل الحرب.
ومن بين المبالغ التي صدرت بشأنها أحكام قضائية أوروبية، نحو 143 مليون يورو و5.4 ملايين فرنك سويسري، مرتبطة بقرضين لقطاع الكهرباء، مع استمرار احتساب فوائد التأخير حتى السداد.
إعادة الجدولة أم تحويل الديون إلى استثمارات؟
تواجه الحكومة السورية عدة خيارات للتعامل مع هذا الملف، ويبدو أن المسار المطروح حالياً يعتمد على التفاوض مع كل جهة دائنة وفق طبيعة الاتفاقيات القائمة.
أحد أبرز الخيارات هو إعادة جدولة الديون، أي تمديد فترة السداد وتوزيع الأقساط على سنوات أطول، بما يخفف الضغط على الموازنة ويمنح الاقتصاد فرصة لتوجيه الموارد نحو الخدمات والمشاريع الأساسية.
أما الخيار الثاني فيتمثل في تحويل جزء من الالتزامات المالية إلى استثمارات داخل سوريا. ويتيح هذا المسار، في حال التوصل إلى اتفاقات مناسبة، ربط تسوية الديون بتنفيذ مشاريع إنتاجية أو خدمية تسهم في دعم النشاط الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
في المقابل، يبقى شطب جزء من أصل الدين خياراً أكثر صعوبة، خصوصاً لدى المؤسسات المالية الدولية التي تخضع لقواعد محاسبية وائتمانية تحد من قدرتها على التنازل عن المبالغ المستحقة. لذلك تتركز المفاوضات غالباً على تخفيض فوائد التأخير والغرامات، ومنح فترات سماح أطول، وإعادة تنظيم مواعيد السداد.
وكان البنك الدولي قد أعلن في أيار 2025 أن السعودية وقطر سددتا المتأخرات المستحقة على سوريا لديه، والبالغة 15.5 مليون دولار، ما أتاح إزالة أحد العوائق أمام استئناف التعامل المالي مع المؤسسة.
هل تمهد تسوية الديون لاقتراض جديد؟
إجراء تحليل استدامة الدين بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل التمويل الخارجي، وما إذا كانت سوريا تتجه إلى الحصول على قروض جديدة لتمويل مشاريع إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
لكن وزير المالية سبق أن أكد في حزيران 2025 أن الحكومة لا تعتزم الاقتراض من صندوق النقد أو البنك الدولي في المرحلة التي تحدث خلالها، موضحاً أن أي قرار مستقبلي بهذا الشأن سيُعلن بشفافية، وأن التمويل المحتمل سيُخصص لمشاريع استراتيجية لا تستطيع الاستثمارات الخاصة تغطيتها بالكامل.
وفي تصريحاته الأخيرة، شدد برنية على أن الحكومة لا تريد تحميل الأجيال المقبلة أعباء ديون جديدة، وأن الاقتراض، إذا جرى اللجوء إليه، ينبغي أن يكون ميسراً ومرتبطاً بمشاريع واضحة، لا مجرد زيادة في الالتزامات المالية.
وبين تسوية الديون القديمة وفتح المجال أمام التمويل التنموي، تبدو المرحلة المقبلة مرتبطة بقدرة الحكومة على الوصول إلى اتفاقات عملية مع الدائنين، ونشر بيانات مالية واضحة، وتحديد حجم الالتزامات التي يستطيع الاقتصاد السوري تحملها. فنجاح هذه الخطوات لن يقتصر أثره على الحسابات المالية، بل قد ينعكس على فرص تنفيذ مشاريع الكهرباء والبنية التحتية والخدمات، وهي قطاعات يحتاج تعافيها إلى تمويل مستقر وإدارة حذرة للموارد.