تتجه سوريا إلى توسيع استثماراتها في شبكة الطرق المركزية، مع تخصيص 193 مليون دولار لهذه المشروعات ضمن موازنة عام 2026، مقابل مخصصات مقترحة تبلغ 450 مليون دولار في مشروع موازنة 2027، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً نحو إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل وتحسين الربط بين المحافظات والمعابر الحدودية والموانئ البحرية.
وأعلن وزير المالية محمد يسر برنية هذه الأرقام بالتزامن مع توقيع عقد تأهيل طريق التنف – البصيري، مشيراً إلى أن مشروع موازنة العام المقبل يتضمن أيضاً تخصيص 200 مليون دولار لمشروعات السكك الحديدية، ضمن توجه لتطوير قطاع النقل البري وتوسيع قدرته على خدمة حركة البضائع والمسافرين.
وتعني المخصصات المقترحة للطرق ارتفاع الإنفاق المستهدف على هذا القطاع بنحو 133% مقارنة بمخصصات عام 2026، غير أن هذه الزيادة تبقى مرتبطة بإقرار موازنة العام المقبل، ولا تمثل حتى الآن إنفاقاً منفذاً بالكامل. كما أوضح برنية أن الأرقام المعلنة تخص الطرق المركزية، ولا تشمل الطرق الفرعية التي تعمل عليها الإدارات المحلية، أو الطرق التي تنفذها وزارة الطوارئ، وبعض الطرق الخدمية المرتبطة بمبادرة «سوريا بلا مخيمات».
طريق التنف – البصيري.. محور يربط العراق بالموانئ السورية
يمثل عقد تأهيل طريق التنف – البصيري أحد أبرز المشروعات المدرجة ضمن خطة تطوير شبكة الطرق، بعدما وقّعت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، التابعة لوزارة النقل، عقداً مع شركة «المهندي» القطرية للطرق والتجارة والمقاولات، بقيمة تقديرية تبلغ 147 مليون دولار.
ويتضمن المشروع إعادة تأهيل الطريق وإنشاء مساره الثاني، إلى جانب تأهيل وصلة السبع بيار باتجاه البصيري، بما يشمل نحو 170 كيلومتراً من مفرق البصيري إلى معبر التنف الحدودي، إضافة إلى وصلة يبلغ طولها 45 كيلومتراً، ليصل إجمالي الطرق المشمولة بالعقد إلى نحو 215 كيلومتراً، بمدة تنفيذ مقررة تبلغ 900 يوم.
وتنبع أهمية هذا المحور من موقعه ضمن شبكة النقل التي يمكن أن تربط الأراضي العراقية بالموانئ السورية على البحر المتوسط في بانياس وطرطوس واللاذقية. وأوضح وزير النقل يعرب بدر أن الطريق يتكامل مع محور دمشق – تدمر – دير الزور، بما يعزز الترابط بين الطرق الداخلية ومسارات النقل الإقليمية.
ومن شأن تطوير هذا المسار، في حال استكمال الأعمال وفق الخطط المعلنة، تحسين حركة الشاحنات والبضائع بين الحدود الشرقية والمرافئ البحرية، وتقليل الاختناقات على بعض الطرق، فضلاً عن رفع كفاءة النقل في المناطق التي تربطها هذه المحاور.
عقود تمتد من الحدود الأردنية إلى شمال سوريا
لا تقتصر خطة تأهيل الطرق على محور التنف، إذ سبقه توقيع عقد تأهيل طريق نصيب – دمشق مع شركة المجموعة المشتركة للمقاولات الكويتية، بقيمة تقارب 46.8 مليون دولار، ومدة تنفيذ تبلغ نحو 400 يوم. ويستهدف المشروع تأهيل مقطع بطول يقارب 100 كيلومتر، بما يدعم حركة النقل بين العاصمة والحدود الأردنية.
وفي آب الماضي، أُرسي عقدا تأهيل طريقي دمشق – تدمر وتدمر – دير الزور، مع إنشاء مسار ثانٍ لهما، على شركتي «الرواف» السعودية و«الكواتي» السورية، بقيمة إجمالية تقارب 300 مليون دولار. ويمتد المحور لمسافة تبلغ نحو 425 كيلومتراً، فيما تصل مدة التنفيذ المعلنة إلى 780 يوماً.
كما بحثت وزارة النقل في 23 تشرين الأول التحضيرات الفنية واللوجستية لمشروعات تأهيل محاور دمشق – حمص، وحمص – حلب، ووصلة سراقب – إدلب، بعد ترسية العقود على تحالف مجموعة الجابر القطرية وشركة «لوبار» التجارية، تمهيداً لاستكمال الإجراءات التعاقدية والبدء بالتنفيذ.
وتندرج هذه المشروعات ضمن خطة أوسع لتطوير الطرق المركزية، تشمل المحور الممتد من معبر نصيب على الحدود الأردنية إلى معبر باب الهوى على الحدود التركية، مروراً بدمشق وحمص وحماة وسراقب وحلب، إلى جانب محور دمشق – تدمر – دير الزور.
تمويل حكومي ورهان على حركة التجارة
بحسب التصريحات الرسمية، تعمل الحكومة على تأمين الاعتمادات اللازمة لمشروعات الطرق من الموازنة العامة، من دون الاعتماد على المنح أو القروض. وتتضمن الخطة المعلنة ستة عقود لمشروعات طرقية، تليها ثلاثة عقود مع شركات استشارية دولية للإشراف على التنفيذ.
ويضع هذا التوجه مسألة التنفيذ والالتزام بالجداول الزمنية في صلب تقييم الخطة، إذ لا ترتبط نتائج تطوير الطرق بقيمة العقود وحدها، بل بمدى إنجاز الأعمال وجودتها وقدرتها على تحسين السلامة المرورية وتقليل تكاليف نقل البضائع والمسافرين.
أما تخصيص 200 مليون دولار للسكك الحديدية ضمن مشروع موازنة 2027، فيشير إلى اهتمام بتطوير قطاع النقل خارج شبكة الطرق، لكن تفاصيل المشروعات المستهدفة وآليات توزيع هذه المخصصات لم تُعلن في المعلومات المتاحة.
وتراهن سوريا من خلال هذه الاستثمارات على تحسين الاتصال بين المحافظات، وتسهيل الوصول إلى المعابر الحدودية والموانئ، ودعم التبادل التجاري مع دول الجوار. ومع ذلك، فإن الأثر الاقتصادي الفعلي سيعتمد على استكمال المشروعات وتشغيلها بكفاءة، إلى جانب تطورات حركة التجارة والعبور في المنطقة.
وبين ارتفاع المخصصات المقترحة واتساع نطاق العقود المعلنة، يبقى التحدي الأساسي في تحويل الخطط الاستثمارية إلى طرق مؤهلة وممرات نقل أكثر كفاءة، بما ينعكس على حركة الأسواق وتكاليف الشحن والقدرة على ربط مناطق الإنتاج بمنافذ التصدير والاستيراد.