أعادت التعديلات التي شهدتها المناهج الدراسية في سوريا فتح ملف لواء إسكندرون، بعد اعتماد خرائط جديدة لا تُظهر ولاية هاتاي التركية ضمن الأراضي السورية، خلافاً لما كان معمولاً به في المناهج خلال عهد نظام البعث المخلوع.
ويعكس التغيير تحولاً في طريقة عرض الحدود الجغرافية لسوريا داخل الكتب المدرسية، بعدما اعتادت أجيال من الطلاب دراسة خرائط تُدرج لواء إسكندرون ضمن الأراضي السورية، استناداً إلى الموقف التاريخي الذي تبنته السلطات السورية السابقة بشأن الإقليم.
وبحسب المعلومات المتداولة بشأن المناهج الجديدة، لم تعد الخرائط المعتمدة تُظهر هاتاي، التي تتبع تركيا إدارياً، جزءاً من الأراضي السورية. ويعيد هذا التعديل تسليط الضوء على واحدة من القضايا التاريخية التي ظلت حاضرة في العلاقات السورية التركية لعقود، رغم تغير الظروف السياسية والإقليمية.
قضية تعود جذورها إلى عام 1939
يرتبط الخلاف حول لواء إسكندرون بالتحولات التي شهدتها المنطقة خلال فترة الانتداب الفرنسي على سوريا، عندما انتقل الإقليم إلى السيادة التركية عام 1939، وأصبح يُعرف لاحقاً باسم ولاية هاتاي.
ومنذ ذلك الحين، بقيت القضية حاضرة في الخطاب السياسي السوري، إذ لم تعترف السلطات السورية السابقة بالوضع القائم بالطريقة التي اعتمدتها تركيا، وواصلت المناهج التعليمية عرض الإقليم ضمن الخرائط التي تمثل الأراضي السورية، في تعبير عن الموقف الرسمي الذي استمر خلال عقود حكم حزب البعث.
وفي المقابل، أصبحت هاتاي جزءاً من الأراضي التركية، وتُدار اليوم بوصفها ولاية تركية تضم مدناً ومناطق عدة، وتتمتع بموقع جغرافي مهم قرب الحدود مع سوريا والبحر المتوسط.
وشكل الموقع الحدودي للإقليم أحد العوامل التي منحت القضية أبعاداً سياسية تتجاوز الخرائط المدرسية، لتتصل بتاريخ العلاقات بين دمشق وأنقرة، وما شهدته من خلافات وتوترات خلال مراحل مختلفة.
ماذا يعني التغيير في الكتب المدرسية؟
لا يقتصر تعديل الخرائط التعليمية على تغيير شكل الحدود المرسومة أمام الطلاب، بل يرتبط أيضاً بالطريقة التي تُقدَّم بها الجغرافيا السياسية والتاريخ الإقليمي للأجيال الجديدة.
فالمناهج الدراسية تُعد من الأدوات التي تعتمدها الدول لتقديم تصوراتها عن تاريخها وحدودها وعلاقاتها مع الدول المجاورة. ولذلك، فإن تحديث الخرائط في سوريا يفتح المجال أمام نقاش أوسع بشأن مراجعة المحتوى التعليمي الموروث عن المرحلة السابقة، ومدى توافقه مع الوقائع الجغرافية والسياسية الحالية.
ومع ذلك، فإن تغيير الخرائط في الكتب المدرسية لا يعني، بحد ذاته، توقيع اتفاق سياسي جديد بشأن الحدود أو تسوية جميع الملفات التاريخية بين سوريا وتركيا، بل يشير إلى تعديل في المحتوى التعليمي المعتمد.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تبرز فيه أهمية العلاقات السورية التركية في ملفات الأمن والتجارة والنقل وإعادة الإعمار، وهي مجالات تجعل طبيعة العلاقة بين البلدين ذات تأثير مباشر في المصالح الاقتصادية والاجتماعية للسكان على جانبي الحدود.
وبين مراجعة المناهج الموروثة والتعامل مع الواقع الجغرافي القائم، تبرز قضية لواء إسكندرون مثالاً على الملفات التاريخية التي يمكن أن تستمر في الذاكرة السياسية لعقود، فيما تتغير طريقة تناولها في التعليم وفقاً للتحولات التي تشهدها الدول وسياساتها.
ويبقى الأهم في المرحلة المقبلة هو كيفية تطوير المناهج السورية بما يضمن تقديم معلومات تاريخية وجغرافية دقيقة، تميّز بين الوقائع التاريخية والمواقف السياسية، وتساعد الطلاب على فهم التحولات التي رسمت حدود المنطقة وعلاقات دولها.