أطلقت منظمة «الإنسانية والإدماج» مشروعاً إنسانياً جديداً بدعم من الاتحاد الأوروبي، يستمر لمدة 24 شهراً ويستهدف نحو 141 ألف شخص في ست محافظات سورية، عبر برامج تشمل الرعاية الصحية والتأهيل والتعليم الدامج والتوعية بمخاطر الألغام، إلى جانب تعزيز الاستعداد للكوارث والطوارئ.
ويأتي المشروع في وقت لا تزال فيه تداعيات سنوات النزاع تلقي بثقلها على حياة السوريين، خصوصاً في المناطق التي تضررت فيها المرافق الطبية والمدارس والبنية الخدمية، فيما يواجه النازحون والعائدون والأشخاص ذوو الإعاقة صعوبات إضافية في الحصول على الخدمات الأساسية.
وبحسب المنظمة، تشمل مناطق تنفيذ المشروع محافظات حلب وإدلب وحماة والحسكة والرقة ودير الزور، ويبلغ عدد المستفيدين المتوقع 140 ألفاً و795 شخصاً، بينهم أكثر من 32 ألفاً من الأشخاص ذوي الإعاقة. وتمنح الخطة أولوية للأطفال والنازحين والعائدين والأسر المتضررة من النزاع، مع الجمع بين تقديم المساعدات المباشرة وتحسين قدرة المجتمعات المحلية على التعامل مع الأزمات.
الصحة والتأهيل في مقدمة التدخلات
يركز أحد المحاور الرئيسية للمشروع على دعم المستشفيات والمراكز الطبية، وتوسيع إمكانية الوصول إلى خدمات العلاج والتأهيل، بما في ذلك العلاج الفيزيائي والدعم النفسي والاجتماعي والأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة.
وتكتسب هذه الخدمات أهمية خاصة للأشخاص الذين تعرضوا لإصابات خلال سنوات الحرب، إذ لا يقتصر التعافي على تلقي العلاج الأولي، بل يتطلب في كثير من الحالات برامج تأهيل طويلة تساعد المصابين على استعادة قدراتهم الحركية وتحسين استقلاليتهم في الحياة اليومية.
كما يتضمن المشروع خدمات تستهدف نحو ثلاثة آلاف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد أو تأخر النمو، من خلال تدخلات علاجية وتحفيزية تُدمج ضمن برامج الصحة والتغذية القائمة. ويعكس هذا المسار تركيزاً على الاحتياجات الصحية للأطفال، الذين قد تتأثر صحتهم ونموهم بتراجع الخدمات والظروف المعيشية الصعبة.
وفي قطاع التعليم، تسعى المنظمة إلى تسهيل التحاق الأطفال ذوي الإعاقة بالمدارس ومساعدتهم على الاستمرار في الدراسة، من خلال توفير وسائل تعليمية مناسبة وتدريب المعلمين على تطبيق أساليب التعليم الدامج. ويستهدف هذا التوجه الحد من العوائق التي تحول دون حصول الأطفال على فرص تعليمية متكافئة، ولا سيما في المدارس التي تفتقر إلى التجهيزات والكوادر المتخصصة.
الألغام ومخلفات الحرب.. خطر يهدد العائدين والأطفال
لا تقتصر تدخلات المشروع على الصحة والتعليم، بل تشمل أيضاً التوعية بمخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة، عبر حملات في المدارس والمناطق المتضررة، إلى جانب إجراء مسوحات غير تقنية لتحديد المواقع المشتبه بخطورتها وتحسين التنسيق بين الجهات العاملة في هذا المجال.
وتشكل مخلفات الحرب أحد التحديات التي تواجه السكان في عدد من المناطق السورية، إذ يمكن أن تعرض الأطفال والمزارعين والعائدين إلى منازلهم للخطر، فضلاً عن إعاقة استخدام الأراضي الزراعية والوصول إلى بعض المرافق والخدمات. وتبقى التوعية ضرورية، لكنها لا تغني عن أعمال المسح الفني والتطهير التي تنفذها الجهات المختصة.
وفي موازاة ذلك، يتضمن المشروع إنشاء لجان مجتمعية للطوارئ أو تعزيز اللجان القائمة، وإعداد خطط محلية للاستجابة للأزمات، وتوفير مستلزمات أساسية للتعامل مع الحالات الطارئة. كما ينص على آلية للتدخل السريع عند تصاعد النزاع أو وقوع كوارث مفاجئة، مع إشراك النساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة في التخطيط للاستجابة.
وقالت مسؤولة العمليات في بعثة المنظمة بسوريا، كارولينا روبيو، إن البلاد تواجه تحديات إنسانية متداخلة، من بينها النزوح والتلوث بالمخلفات المتفجرة وتزايد التعرض للمخاطر الطبيعية، مشيرة إلى أن المشروع يجمع بين الاستجابة العاجلة وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات المقبلة.
وتعمل منظمة «الإنسانية والإدماج» في الاستجابة للأزمة السورية منذ عام 2012، ووسعت تدخلاتها بعد زلزال شباط/فبراير 2023 لتشمل خدمات التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين وأسرهم.
ومع امتداد المشروع على عامين، ستتوقف أهمية نتائجه على مدى وصول الخدمات إلى الفئات المستهدفة، واستمرارها في المناطق الأكثر احتياجاً، وقدرتها على سد جانب من الفجوات الصحية والتعليمية والإنسانية. فالتحدي لا يتمثل في إطلاق برامج جديدة فحسب، بل في تحويلها إلى خدمات فعلية تساعد السكان على استعادة حياتهم وتعزز قدرة المجتمعات المحلية على التعافي.