تواجه دمشق مرحلة جديدة من التحولات العمرانية مع تزايد الحديث عن مشاريع الاستثمار العقاري وإعادة الإعمار، وسط تساؤلات حول قدرة العاصمة السورية على استيعاب الأبراج الحديثة والمجمعات السكنية والتجارية الكبرى، من دون أن تفقد ملامحها التاريخية التي تشكل جزءاً أساسياً من هويتها الثقافية والعمرانية.
وبين الفرص الاقتصادية التي توفرها المشاريع الجديدة والتحديات المرتبطة بحماية النسيج العمراني، يبرز ملف التخطيط الحضري بوصفه أحد أبرز القضايا التي ستحدد شكل دمشق خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع التفاوت الكبير بين طبيعة أحيائها القديمة ومناطق التوسع العمراني المحيطة بها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل الأضرار التي خلفتها سنوات الحرب، والتوسع غير المنظم الذي شهدته أجزاء من المدينة ومحيطها، إلى جانب الحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتوفير مساكن وخدمات تتناسب مع احتياجات السكان.
دمشق بين الأبراج الحديثة والمشهد التاريخي
تطرح مشاريع مثل «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، إلى جانب المخططات التنظيمية في مناطق جوبر والقابون، أسئلة تتجاوز شكل المباني وارتفاعاتها إلى طبيعة العلاقة بين الاستثمار العقاري وهوية المدينة.
فالأبراج والمجمعات الحديثة قد توفر مساحات سكنية وتجارية جديدة، وتفتح المجال أمام استثمارات واسعة، لكنها تحتاج في المقابل إلى تخطيط يراعي قدرة الطرق وشبكات النقل والمياه والصرف الصحي على استيعاب الكثافات السكانية الجديدة.
وتكمن إحدى أبرز الإشكاليات في اختلاف طبيعة المناطق التي تستهدفها المشاريع العمرانية. فالمباني المرتفعة التي قد تكون مناسبة في مناطق توسع حديثة لا تكون بالضرورة ملائمة بالقرب من الأسواق التاريخية أو المعالم الأثرية أو المواقع التي تشكل جزءاً من المشهد البصري التقليدي للعاصمة.
وفي هذا السياق، يرى مختصون في التخطيط العمراني أن التعامل مع دمشق يتطلب التمييز بين المناطق التي تحتاج إلى حماية تراثية، وتلك التي يمكن أن تستوعب أنماطاً معمارية أكثر حداثة وكثافات بناء أعلى، بدلاً من تطبيق معايير موحدة على مختلف أحياء المدينة.
ما الذي يحدد ارتفاع الأبراج في العاصمة؟
بحسب ما نقلته صحيفة «عنب بلدي» عن مدير مديرية دمشق القديمة أمجد فرخ، فإن إعادة الإعمار ينبغي أن تكون فرصة لتنظيم نمو المدينة، وليس مجرد عملية لتعويض الأبنية المتضررة أو زيادة المساحات المبنية.
ويشمل ذلك مراعاة القيمة التاريخية للموقع، وطبيعة المباني المحيطة، وحجم الكتل المعمارية وارتفاعاتها، ومواد البناء، وتأثير المشاريع في المشهد البصري، إضافة إلى حركة المرور وقدرة البنية التحتية على استيعاب التوسع.
ومن بين القضايا التي تحظى باهتمام خاص حماية خطوط الرؤية المرتبطة بالمعالم الرئيسية، مثل الجامع الأموي وجبل قاسيون، بحيث لا تؤدي الأبنية الجديدة إلى حجب هذه المعالم أو تغيير صورتها البصرية بصورة يصعب تداركها لاحقاً.
ولا يعني هذا التوجه بالضرورة منع الأبراج أو إيقاف التطور العمراني، بل يتطلب تحديد المناطق التي يمكن أن تستوعب ارتفاعات أكبر، مع وضع ضوابط واضحة للمناطق التاريخية والمواقع ذات الحساسية البصرية.
ويبرز هنا دور الدراسات العمرانية التي تحدد تأثير المباني الجديدة في المشهد العام، وتربط ارتفاعاتها بطبيعة الأرض واتجاهات الرؤية ومقياس الشوارع المحيطة، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى الجدوى الاستثمارية للمشروع.
«ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي» في اختبار التخطيط العمراني
يمثل مشروع «ماروتا سيتي» أحد أبرز نماذج التحول العمراني في محيط دمشق، مع الأبراج والكتل المعمارية الحديثة التي تختلف في شكلها وارتفاعاتها عن أجزاء واسعة من النسيج السكني التقليدي المجاور.
ويثير هذا النمط من التطوير تساؤلات حول كيفية دمج المشاريع الكبرى في محيطها العمراني، ومدى قدرتها على الحفاظ على الاتصال البصري والاجتماعي مع الأحياء القائمة، فضلاً عن تأثيرها في حركة المرور والخدمات العامة.
أما «باسيليا سيتي»، فيرتبط بمخطط عمراني واسع في جنوب دمشق، ويطرح بدوره تحديات تتعلق بالتوفيق بين إعادة تنظيم الأراضي وتطوير شبكات الطرق والمرافق، وبين الحفاظ على الخصائص المحلية للمناطق التي يشملها التطوير.
وفي جوبر والقابون الصناعي، تتصل التحديات بطبيعة التحولات التي قد تطال الأحياء السكنية والأنشطة الحرفية والصناعية، فضلاً عن العلاقة بين الامتداد العمراني لدمشق ومحيطها التاريخي والزراعي.
وتختلف آثار هذه المشاريع بحسب مواقعها وتفاصيل مخططاتها وآليات تنفيذها، ما يجعل تقييم كل مشروع بصورة مستقلة أمراً ضرورياً لفهم انعكاساته على السكان والبيئة العمرانية والاقتصاد المحلي.
الاستثمار العقاري بين العائد الاقتصادي وكلفة التوسع
لا تقتصر نتائج التوسع العمراني على شكل المدينة، إذ ترتبط أيضاً بكلفة إنشاء الطرق وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وقدرة المرافق العامة على مواكبة زيادة الكثافة السكانية.
وفي المقابل، يمكن للاستثمارات العقارية المدروسة أن تسهم في توفير مساكن ومساحات تجارية، وتحريك قطاعات البناء والخدمات، وخلق فرص عمل، شريطة أن تترافق مع تخطيط يضمن وصول السكان إلى الخدمات ووسائل النقل.
ويشير الدكتور في هندسة العمارة وتخطيط المدن خالد الأيوب، بحسب ما نقلته «عنب بلدي»، إلى أن ضغط المضاربات العقارية قد يدفع باتجاه تعظيم العائد من الأراضي على حساب الأبنية التقليدية والنسيج العمراني القائم.
وتبرز هذه الإشكالية خصوصاً عندما تصبح قيمة الأرض مرتبطة بإمكانية إقامة أبنية أكبر وأكثر كثافة، من دون احتساب كلفة التغيير على البيئة العمرانية أو الخدمات العامة أو الطابع المعماري للأحياء.
وفي المناطق التاريخية، قد يتيح ترميم الأبنية وإعادة توظيفها في الأنشطة الثقافية والسياحية والحرفية فرصاً اقتصادية تتناسب مع طبيعة المكان، بدلاً من استبدال النسيج القديم بالكامل بمشاريع لا تنسجم بالضرورة مع محيطها.
هل تستطيع دمشق استيعاب ناطحات السحاب؟
لا يرتبط مستقبل الأبراج في دمشق بقبول البناء المرتفع أو رفضه بصورة مطلقة، بقدر ما يعتمد على مكان إقامتها، ومدى ملاءمتها للمخططات التنظيمية، وقدرة البنية التحتية على خدمة المناطق الجديدة، والضوابط التي تحمي المعالم التاريخية والمشهد الحضري.
وتحتاج العاصمة إلى رؤية عمرانية متكاملة تحدد المناطق القابلة للتوسع الرأسي، وتحافظ في الوقت نفسه على الأحياء التاريخية والمساحات ذات القيمة الثقافية والبيئية، مع تطوير قواعد واضحة للموافقات الاستثمارية ومراقبة تنفيذ المشاريع.
كما أن حماية هوية دمشق لا تقتصر على الأبنية الأثرية وحدها، بل تشمل العلاقة بين الأحياء والشوارع والساحات والمناطق الزراعية المحيطة، وهي عناصر تؤثر مجتمعة في الصورة التي تميز المدينة.
وبين الحاجة إلى إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، من جهة، وضرورة حماية الإرث العمراني، من جهة أخرى، تبدو المعادلة الأساسية أمام دمشق هي كيفية استيعاب النمو من دون التضحية بخصائصها التاريخية.
فالقرارات التي ستُتخذ بشأن الارتفاعات والكثافات ومواقع المشاريع خلال المرحلة المقبلة لن تحدد شكل المباني الجديدة فحسب، بل ستؤثر أيضاً في طريقة استخدام المدينة، وحركة سكانها، وقدرتها على الجمع بين التطور الاقتصادي واستمرار هويتها العمرانية.