اقتصاد

سوريا تتحرك لاستئناف التمويل التنموي

سوريا تتحرك لاستئناف التمويل التنموي

تتجه التحركات الاقتصادية السورية نحو توسيع مصادر التمويل الخارجي، مع تكثيف الاتصالات مع مؤسسات مالية عربية ودولية ومستثمرين أجانب، في مسعى لدعم إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية ومعالجة الالتزامات المالية المتراكمة.


وفي هذا السياق، أجرى وزير المالية السوري محمد يسر برنية سلسلة لقاءات في العاصمة التايلاندية بانكوك يومي 15 و16 تشرين الأول 2026، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تناولت تمويل المشاريع التنموية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التعاون المالي مع عدد من الدول والمؤسسات.


وتأتي هذه التحركات في وقت تحتاج فيه سوريا إلى موارد مالية كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين الخدمات العامة، وسط ترقب لمدى قدرة الاتفاقيات والتمويلات المرتقبة على الانتقال من مرحلة المباحثات إلى مشاريع تنعكس نتائجها على حياة المواطنين.


تمويل سعودي بقيمة 406 ملايين دولار


برز التعاون مع الصندوق السعودي للتنمية بوصفه أحد أبرز ملفات المباحثات، بعدما وافق مجلس إدارة الصندوق، في المرحلة الأولى، على تمويل ستة مشاريع في سوريا بقيمة إجمالية تبلغ 406 ملايين دولار، على شكل قروض ميسرة.


وتشمل المشاريع قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والطوارئ والتحول الرقمي، على أن يجري توقيع الاتفاقيات المتعلقة بها مع الحكومة السورية وفق الترتيبات المعلنة.


وبحث برنية مع ممثلي الصندوق آليات تسريع دراسة المشاريع المقترحة، والاستفادة من الخبرات الفنية ونقل المعرفة، بما يساعد على دعم جهود التعافي وإعادة تأهيل المرافق الأساسية.


وتكتسب هذه المشاريع أهمية من ارتباطها بقطاعات تمس الاحتياجات اليومية للسكان، إلا أن أثرها الفعلي سيظل مرتبطاً ببدء التنفيذ، والجدول الزمني للإنجاز، وطبيعة الخدمات التي ستوفرها للمناطق المستهدفة.


المديونية المتأخرة على طاولة المباحثات الكويتية


وفي مسار آخر، بحث وزير المالية مع المدير العام للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية رشيد علي البدر سبل دعم التنمية في سوريا، مع التركيز على إيجاد حلول للمتأخرات المالية المستحقة على دمشق.


وتناول اللقاء المشاريع المقترحة والعقبات التي تواجه تنفيذها، في إطار مساعي إعادة تفعيل التعاون التنموي واستئناف تمويل مشاريع البنية التحتية ذات الأولوية.


ويُعد ملف المتأخرات من القضايا المهمة في مسار استعادة التمويل، إذ يرتبط التوصل إلى تسويات مناسبة بتهيئة الظروف اللازمة لعودة التعاون المالي. كما أن استئناف التمويل من شأنه، إذا تحقق، أن يفتح المجال أمام مشاريع جديدة في قطاعات تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل.


قطر واليابان على خط إعادة الإعمار


وشملت اللقاءات مباحثات مع صندوق قطر للتنمية حول دعم التعافي الاقتصادي، في امتداد للجهود الرامية إلى إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين لإعادة إعمار سوريا بدعم من البنك الدولي.


ويستهدف هذا المسار توسيع قاعدة الجهات المساهمة في تمويل المشاريع التنموية، بما يتيح تنسيق الموارد وتوجيهها نحو الأولويات الاقتصادية والخدمية.


كما بحث برنية مع مجموعتين ماليتين ومصرفيتين يابانيتين فرص الاستثمار في السوق السورية، مع التركيز على الإطار القانوني والمؤسسي، والضمانات المطلوبة للمستثمرين، والقطاعات التي يمكن أن توفر فرصاً استثمارية.


ويعكس هذا التوجه محاولة لجذب رؤوس أموال أجنبية إلى جانب التمويل العربي، لكن تحويل الاهتمام الاستثماري إلى مشاريع فعلية يتطلب وضوح القواعد المنظمة للأعمال، وتوفير بيئة قادرة على حماية الاستثمارات وتسهيل تنفيذها.


دعم نرويجي للصحة ومكافحة الفقر


وفي الجانب الاجتماعي، ناقش وزير المالية مع وزير التنمية الدولية النرويجي آسموند أوكروست مساهمة النرويج في دعم التعافي السوري، بما يشمل الرعاية الصحية ومكافحة الفقر وتطوير الإدارة المالية.


وأبدى الجانب النرويجي اهتماماً بالمساهمة في الصندوق متعدد المانحين، مع إعطاء أولوية لقطاع الرعاية الصحية ودعم تحقيق التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030.


كما أبدى استعداداً للمساهمة في جهود خفض الفقر، ووافق على تقديم دعم فني في مجالي إدارة الضرائب والتحول الرقمي، إلى جانب بحث إمكانية نقل الخبرات المتعلقة باستدامة أنظمة التقاعد والمعاشات.


وتعكس هذه الملفات أهمية الدعم المؤسسي إلى جانب التمويل المباشر، خصوصاً أن تحسين إدارة الإيرادات العامة وتطوير الخدمات الرقمية يمكن أن يساعدا على رفع كفاءة المؤسسات وتعزيز قدرتها على إدارة الموارد.


«سوريا بلا مخيمات».. ما الذي يتطلبه تحقيق المبادرة؟


استعرض برنية خلال المباحثات مبادرة «سوريا بلا مخيمات»، مؤكداً أهمية تنفيذ مشاريع متكاملة ومتعددة القطاعات لتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين.


وتتجاوز متطلبات العودة المستدامة تأمين المساكن، لتشمل توفير المياه والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم وفرص كسب العيش، بما يسمح للعائلات باستعادة الاستقرار في مناطقها.


وفي هذا الإطار، رحب الجانب النرويجي بانضمام سوريا إلى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وأعرب عن استعداده لدعمها داخل المؤسسات الدولية.


كذلك بحث وزير المالية مع صندوق النقد العربي سبل تقديم الدعم الفني والمالي، وتطوير القدرات المؤسسية وإعادة هيكلة القطاع المالي، والاستفادة من الخبرات العربية في مجالات السياسة النقدية والرقابة المصرفية وإدارة الدين العام.


وتندرج هذه اللقاءات ضمن تحركات الوفد السوري الذي وصل إلى بانكوك في 12 تشرين الأول، بهدف توسيع علاقات التعاون مع المؤسسات الدولية وتعزيز اندماج سوريا في النظام المالي العالمي.


ورغم تعدد مسارات التعاون المطروحة، تبقى الخطوة الحاسمة في قدرة الحكومة على تحويل المباحثات إلى اتفاقيات نافذة ومشاريع قابلة للتنفيذ. فحجم التمويل وحده لا يكفي لقياس التقدم، ما لم يترافق مع إدارة فعالة للموارد وتحديد واضح للأولويات ومتابعة نتائج المشاريع.


وبالنسبة للاقتصاد السوري، قد تشكل هذه التحركات فرصة لتوسيع مصادر التمويل ودعم إعادة الإعمار، فيما ستتحدد نتائجها الفعلية بمدى تنفيذ الاتفاقيات وانعكاسها على الخدمات الأساسية وفرص العمل ومستوى معيشة السكان.

google-news تابعوا آخر أخبار وكالة السوري الإخبارية عبر Google News

مقالات متعلقة