تتواصل التدخلات الطبية ضمن حملة «تعافي 2» في سوريا، بمشاركة أطباء قادمين من عدة دول وكوادر محلية، في محاولة لتخفيف الضغط عن المستشفيات وتلبية احتياجات المرضى المدرجين على قوائم انتظار العمليات، بالتزامن مع نقل خبرات طبية وجراحية إلى العاملين في القطاع الصحي.
وسجلت الحملة، حتى الخميس 15 تشرين الأول 2026، تنفيذ 106 عمليات وإجراءات تداخلية، إلى جانب تقديم 518 استشارة طبية، ضمن برنامج يستهدف سبعة مستشفيات موزعة بين دمشق وحمص ودير الزور، على أن تستمر التدخلات حتى 17 تشرين الأول الجاري، وفق حصيلة أعلنها المنسق العام للحملة، الطبيب محمد الحاج حمدو.
وتشارك في «تعافي 2» مجموعة تضم نحو 35 طبيباً قدموا من بريطانيا والكويت ومصر، إلى جانب أطباء وكوادر طبية محلية، ضمن تخصصات جراحية وطبية متنوعة. ولا تقتصر أهداف المبادرة على إجراء العمليات، بل تشمل أيضاً تدريب الكوادر السورية على تقنيات طبية وجراحية، بما يساعد على تعزيز قدرات المستشفيات بعد انتهاء الحملة.
وبحسب حمدو، نفذت الفرق المشاركة 13 نشاطاً تدريبياً استفاد منها نحو 200 شخص، بينهم أطباء مقيمون وممرضون وفنيو تخدير وعمليات، في إطار مساعٍ للاستفادة من وجود الأطباء الزائرين في تطوير المهارات الطبية المحلية.
قوائم انتظار طويلة وحاجة إلى تدخلات جراحية
جاءت الحملة استكمالاً للنسخة الأولى من مبادرة «تعافي»، التي أُطلقت استجابة للاحتياجات الجراحية في عدد من المحافظات السورية، فيما اتسع نطاق النسخة الثانية جغرافياً وتخصصياً، مع التركيز على المستشفيات التي تحتاج إلى دعم طبي وفني.
وكانت الحملة قد وضعت هدفاً أولياً يتمثل في تنفيذ نحو 175 عملية وإجراء طبياً، استناداً إلى زيارات ميدانية للمستشفيات ومراجعة ملفات المرضى المدرجين على قوائم الانتظار. وتعكس هذه الأرقام حجم الاحتياج إلى الخدمات الجراحية، إذ أشار منسق الحملة إلى أن قائمة انتظار العمليات في مستشفى الأطفال الجامعي وصلت إلى نحو ألفي حالة.
وركزت الفرق الطبية على اختيار الحالات التي يمكن أن تحقق التدخلات الجراحية فيها أثراً ملموساً في حياة المرضى، مع مراعاة الإمكانات المتاحة والوقت اللازم لكل عملية. وشملت التدخلات عمليات فتق باستخدام المنظار، في خطوة قال حمدو إنها نُفذت للمرة الأولى في أحد المستشفيات المستهدفة، بعد توفير المعدات والمستلزمات المكملة لجهاز التنظير الموجود فيه.
في المقابل، تقرر تأجيل بعض الحالات الأكثر تعقيداً، ومنها حالات الجنف، إلى النسخة الثالثة من الحملة، نظراً إلى حاجتها إلى تحضيرات طبية إضافية قد تستغرق وقتاً أطول قبل إجراء الجراحة.
لماذا اختيرت دمشق وحمص ودير الزور؟
جاء اختيار المحافظات والمستشفيات بالتنسيق مع وزارة الصحة، وفق معايير تشمل حجم الاحتياجات الطبية، وتوافر غرف العمليات والتجهيزات الأساسية، وإمكانية وصول الفرق الطبية إلى المواقع المستهدفة.
وحظيت دير الزور باهتمام خاص ضمن الحملة، بحسب حمدو، بسبب الحاجة إلى دعم جراحي وفني في مستشفاها الوطني، فضلاً عن عدم استهداف المحافظة سابقاً بحملات طبية مماثلة بهذا الحجم.
وقبل وصول الفرق الطبية بنحو عشرة أيام، جرى تجهيز غرف عمليات وترميم جناح جراحي في المستشفى، بدعم من مشروع تنموي آخر، بهدف تهيئة الظروف المناسبة لاستقبال المرضى وإجراء العمليات.
وتنوعت التخصصات التي شملتها الحملة، لتضم جراحة العظام للأطفال والبالغين، والجراحة العامة والعصبية والبولية والوعائية، وجراحة الكبد والبنكرياس والطرق الصفراوية والقولون والمستقيم، إلى جانب جراحات العيون والقلب واليد والجراحة التجميلية والترميمية لإصابات الحرب، فضلاً عن تنظير الجهازين الهضمي والتنفسي.
كما عمل منظمو الحملة على زيادة عدد أطباء التخدير المشاركين مقارنة بالنسخة السابقة، بعد أن شكل نقص الكوادر المتخصصة في هذا المجال عائقاً أمام تنفيذ بعض العمليات.
نقص التجهيزات يفرض تحديات إضافية
على الرغم من التحضيرات المسبقة، واجهت الفرق الطبية صعوبات لوجستية وفنية، من بينها تأمين بعض المستلزمات الجراحية الدقيقة في دير الزور، ولا سيما الصفائح المستخدمة في جراحة العظام، التي يصعب تحديد أنواعها ومقاساتها بصورة نهائية قبل فحص المرضى.
وأشار حمدو أيضاً إلى وجود أجهزة طبية قديمة ومعطلة في بعض المستشفيات، مع صعوبة العثور على قطع غيار مناسبة لها بسبب قدمها، ما يبرز أهمية أعمال الصيانة والتجهيز إلى جانب توفير الأطباء.
وتتجه التحضيرات للنسخة المقبلة إلى تقييم الأجهزة الطبية وصيانتها قبل بدء التدخلات، وتأمين مخزون مسبق من المستلزمات لتقليل احتمالات تأجيل العمليات بسبب النقص.
تمويل الحملة والاستعداد لنسخة جديدة
على صعيد التمويل، ساهمت منظمة «أكشن فور هيومانيتي» (Action For Humanity) في تغطية جزء من تكاليف الحملة، إلى جانب تبرعات جُمعت خلال فعاليات أُقيمت في بريطانيا خلال تشرين الأول، ومساهمات مالية وعينية قدمها عدد من الأطباء المشاركين. كما تحمل بعض الأطباء تكاليف سفرهم وإقامتهم، وفق ما ذكره حمدو.
واعتمدت المبادرة كذلك على التجهيزات المتوافرة داخل المستشفيات، مع توفير المعدات والمستهلكات التي تحتاج إليها الفرق لتنفيذ تدخلاتها.
ويجري العمل على التحضير لنسخة ثالثة من حملة «تعافي»، يُتوقع تنفيذها خلال النصف الأول من عام 2027، مع التركيز على تحسين جاهزية المستشفيات وتأمين المستلزمات مسبقاً، ولا سيما في المحافظات الشرقية.
وبين العمليات الجراحية والتدريب الطبي، تسعى الحملة إلى تحقيق أثر يتجاوز فترة وجود الفرق الزائرة، من خلال دعم المرضى الذين ينتظرون العلاج وتعزيز قدرات الكوادر المحلية. ويبقى استمرار هذه الجهود مرتبطاً بمدى توافر التجهيزات والمستلزمات والصيانة اللازمة لضمان قدرة المستشفيات على مواصلة تقديم الخدمات بعد انتهاء التدخلات المؤقتة.