تتجه الأنظار إلى الصندوق السيادي السوري بوصفه أحد أبرز اللاعبين في المشهد الاقتصادي الجديد، بعدما كشف تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن إدارته محفظة واسعة من الأصول الحكومية وممتلكات مرتبطة برجال أعمال من عهد النظام السابق، تقدر قيمتها بنحو 50 مليار دولار، وفق تقديرات نقلها التقرير عن مسؤولين سوريين.
ويبرز الصندوق في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى إعادة تشغيل أصولها الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الخارجية، وتحريك قطاعات العقارات والصناعة والمصارف والاتصالات. لكن حجم الأصول المنسوبة إليه يفتح في الوقت نفسه أسئلة حول طبيعة هذه الممتلكات، والجهات التي تديرها، وآليات تقييمها ومراقبة عائداتها.
وبحسب التقرير المنشور في 9 تشرين الأول 2026، لا تقتصر محفظة الصندوق على العقارات والمنشآت الصناعية والمراكز التجارية، بل تشمل أيضاً حصصاً في مؤسسات مصرفية وشركات تعمل في قطاعات حيوية. وأشار التقرير إلى أن الشركات المرتبطة بهذه الأصول توظف أكثر من 40 ألف عامل، فيما يضم الصندوق نفسه أكثر من 270 موظفاً.
ومع ذلك، لا تعني القيمة المقدرة للأصول أنها أموال نقدية متاحة للإنفاق، إذ تشمل الممتلكات والشركات والحصص الاستثمارية التي تحتاج إلى تقييم مالي مستقل لمعرفة قيمتها الفعلية وإيراداتها والتزاماتها.
من العقارات إلى الاتصالات.. مشاريع بمليارات الدولارات
يمتد نشاط الصندوق، وفق التقرير، إلى شراكات استثمارية مع شركات إقليمية ودولية، في إطار توجه يهدف إلى تطوير الأصول القائمة وإطلاق مشاريع جديدة.
ومن أبرز المشاريع المطروحة اتفاق عقاري مع شركة «أراد» الإماراتية، بقيمة معلنة تصل إلى 7 مليارات دولار، لتطوير مشروع «دمشق الجديدة» الذي تتضمن خططه إنشاء نحو 11 ألف وحدة سكنية، إلى جانب مرافق خدمية تشمل منشآت تعليمية وصحية ومناطق تجارية.
ويضع المشروع العقاري مسألة جذب الاستثمارات في صلب النقاش الاقتصادي السوري، خصوصاً مع الحاجة إلى توسيع المعروض السكني وتطوير البنية التحتية. لكن الأثر الفعلي لأي مشروع من هذا الحجم يرتبط بمدى تقدمه على أرض الواقع، ومصادر تمويله، والجدول الزمني للتنفيذ، وقدرته على توفير فرص عمل وخدمات تتناسب مع احتياجات السكان.
وفي قطاع الاتصالات، أشار التقرير إلى امتلاك الصندوق حصة تبلغ 25% في كيان سوري مرتبط بترخيص حصلت عليه شركة «زين» الكويتية لتشغيل شبكة للهاتف المحمول، ضمن ترتيبات استثمارية تتعلق بترخيص تبلغ قيمته 747 مليون دولار.
كما تناول التقرير مشاريع في مجال المدفوعات الإلكترونية بالتعاون مع «فيزا»، إلى جانب خطط لتوسيع النشاط الصناعي عبر تأسيس شركة محلية لتصنيع السيارات. وتعكس هذه التوجهات محاولة لتوسيع قاعدة الاستثمارات، بحيث لا تقتصر على العقارات، بل تمتد إلى الخدمات الرقمية والقطاعات الإنتاجية.
غير أن نجاح هذه المشاريع لن يقاس بقيمة الاتفاقيات وحدها، وإنما بحجم الاستثمارات التي تدخل حيز التنفيذ، والإيرادات التي تحققها، ومدى انعكاسها على النشاط الاقتصادي وفرص العمل والخدمات المقدمة للمواطنين.
أصول من عهد النظام السابق.. ملف الملكية والتسويات
يتصل جانب مهم من أعمال الصندوق بإدارة أصول كانت مرتبطة برجال أعمال خلال عهد نظام بشار الأسد، في إطار الإجراءات الحكومية المتعلقة باستعادة ممتلكات وأصول تقول السلطات إنها حصلت عليها بطرق غير قانونية.
وذكر تقرير «فايننشال تايمز» أن الصندوق شارك في إدارة 32 كياناً اقتصادياً كانت تعود لرجل الأعمال سامر فوز، كما تناول ممتلكات تجارية ارتبطت برجلَي الأعمال محمد ووسيم قطان، من بينها مركز تجاري في دمشق.
ويطرح نقل هذه الأصول إلى إدارة الصندوق تحديات قانونية واقتصادية، تتعلق بتثبيت الملكية، وتسوية المطالبات، وتحديد الحقوق المالية للأطراف المعنية. فإعادة تشغيل الشركات والمنشآت قد تساعد في الحفاظ على الوظائف واستمرار النشاط الاقتصادي، لكنها تحتاج أيضاً إلى إجراءات واضحة تضمن معالجة النزاعات وفق الأطر القانونية.
وأشار التقرير إلى التوصل إلى تفاهم بشأن مطالبة بالتعويض مرتبطة بأحد المراكز التجارية، نقلاً عن محافظة دمشق، في مثال على الملفات التي تتطلب تسويات تحدد حقوق الأطراف وتتيح التعامل مع الأصول بصورة مستقرة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن قيمة الممتلكات لا تنفصل عن الوضع القانوني لكل أصل، ومدى اكتمال إجراءات نقل الملكية، وأي مطالبات أو التزامات قد تؤثر في إمكانية استثماره مستقبلاً.
من يدير الصندوق السيادي السوري؟
على المستوى الإداري، أفادت الصحيفة البريطانية بأن الصندوق يرأسه وزير السياحة، ويرفع تقاريره مباشرة إلى الرئيس أحمد الشرع.
وذكر التقرير، نقلاً عن أشخاص قالوا إنهم التقوا به، أن إبراهيم سكرية، وهو لبناني أسترالي، يتولى إدارة الصندوق، رغم عدم الإعلان رسمياً عن اسمه بصفته المدير. كما أشار إلى أن تفاصيل الهيكل الإداري وآليات اتخاذ القرار لا تزال غير منشورة بصورة كاملة.
وفي ما يتعلق بحجم المؤسسة، نقل التقرير أن الصندوق يضم أكثر من 270 موظفاً، بينما يتجاوز عدد العاملين في الشركات المرتبطة بأصوله 40 ألف شخص. ويعطي هذا الحجم مؤشراً على اتساع نطاق النشاط الاقتصادي الذي يتصل به، لكنه لا يكفي وحده لتحديد مستوى الأداء أو الكفاءة المالية.
فمعرفة كيفية إدارة هذه الأصول تتطلب نشر معلومات عن مجلس الإدارة وصلاحياته، وآليات اتخاذ القرارات الاستثمارية، والجهات التي تراجع الحسابات، والمعايير المستخدمة في تقييم الممتلكات والعقود.
الشفافية والحوكمة.. الاختبار الأهم
رغم الفرص التي قد يوفرها الصندوق في إعادة تنظيم الأصول وجذب رؤوس الأموال، فإن غياب البيانات المالية التفصيلية المنشورة يظل من أبرز النقاط التي أثارها التقرير.
وتشمل المعلومات التي يحتاج المستثمرون والجمهور إلى الاطلاع عليها قائمة الأصول التي يديرها الصندوق، والقيمة المعتمدة لكل منها، والإيرادات والمصروفات والالتزامات، إلى جانب تفاصيل الاتفاقيات الاستثمارية وحصص الأطراف المختلفة.
كما أن نشر تقارير مالية دورية وخضوع الحسابات لتدقيق مستقل من شأنهما توفير صورة أوضح عن كيفية إدارة الممتلكات، ومدى تحقيقها عوائد اقتصادية، والآليات التي تضمن حماية المال العام.
وبحسب ما نقلته «فايننشال تايمز»، أكد الصندوق أن مهمته تتمثل في حماية أصول الدولة السورية وتنميتها، وجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا والخبرات، مشيراً إلى العمل على تطوير منظومة الحوكمة بما يتوافق مع الممارسات الدولية لصناديق الثروة السيادية.
وفي المحصلة، يضع الصندوق السيادي السوري أمام اختبار يتجاوز حجم الأصول المقدرة بنحو 50 مليار دولار أو عدد المشاريع المعلنة. فالمعيار الأهم سيكون قدرته على تحويل الممتلكات إلى استثمارات منتجة، والحفاظ على فرص العمل، وتحقيق عوائد مستدامة، بالتوازي مع توفير الشفافية والرقابة اللازمة.
وبين طموحات إعادة الإعمار والأسئلة المتعلقة بالإدارة والملكية، ستحدد النتائج الفعلية للمشاريع، ومستوى الإفصاح المالي، وآليات المساءلة، مدى قدرة الصندوق على أداء دور اقتصادي مؤثر في المرحلة المقبلة.
المصدر: صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، 9 تشرين الأول 2026.