أعادت الحكومة السورية ملف المحروقات إلى واجهة المشهد الاقتصادي بعد رفع أسعار عدد من المشتقات النفطية، في خطوة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها سوق الطاقة المحلية، في وقت ترتفع فيه كلفة تأمين الوقود وتتأثر سلاسل الإمداد بالتطورات الإقليمية والعالمية.
وبحسب الأسعار الجديدة، ارتفع سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة سورية، فيما بلغ سعر البنزين أوكتان 95 نحو 195 ليرة، والبنزين أوكتان 90 نحو 185 ليرة. ويأتي هذا التعديل في ظل ارتفاع كلفة استيراد المشتقات النفطية، إلى جانب زيادة تكاليف النقل والتأمين والتخزين، ما فرض ضغوطاً إضافية على قدرة الجهات المعنية على تأمين احتياجات السوق.
ولا ترتبط كلفة المحروقات في سوريا بسعر شراء المادة من الخارج فقط، إذ تتداخل معها مجموعة من العوامل تبدأ من أجور الشحن والتأمين، ولا تنتهي عند تكاليف التخزين والتوزيع. ومع اعتماد السوق المحلية على استيراد جزء مهم من احتياجاتها، تصبح أي اضطرابات في أسواق الطاقة أو طرق الإمداد العالمية ذات انعكاس مباشر على الأسعار وتوافر المادة.
وتزداد الضغوط الحالية مع دخول مصفاة بانياس في أعمال العمرة والصيانة، الأمر الذي يرفع أهمية تأمين المشتقات النفطية من مصادر أخرى خلال هذه المرحلة، ويجعل انتظام التوريد تحدياً أساسياً أمام الجهات المسؤولة عن إدارة سوق الوقود.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا كان سيحدث لو بقيت الأسعار المحلية دون تعديل رغم ارتفاع كلفة الاستيراد؟
في هذه الحالة قد تتسع الفجوة بين كلفة تأمين المحروقات والإيرادات الناتجة عن بيعها، ما قد يصعّب تمويل الشحنات الجديدة مع مرور الوقت. وفي حال تراجع الإمدادات، قد تظهر انعكاسات مباشرة على السوق، من نقص المادة وطوابير الانتظار إلى اتساع نشاط السوق غير النظامية وارتفاع الأسعار بعيداً عن التسعيرة الرسمية.
ومن هذا المنطلق، تبدو الخطوة الحالية أقرب إلى محاولة لإدارة أزمة التوريد والحفاظ على تدفق المحروقات إلى السوق، أكثر من كونها معالجة نهائية لمشكلة الطاقة في سوريا. فرفع الأسعار وحده لا يستطيع إنهاء الأزمة، خصوصاً أن استمرار الاعتماد على الاستيراد يبقي السوق عرضة للتقلبات الخارجية.
وتكمن المعالجة الأطول مدى في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الحاجة إلى شراء المشتقات من الخارج. ولهذا تبرز ملفات إعادة تأهيل الحقول والآبار المتضررة، ورفع إنتاج النفط والغاز، وإعادة تأهيل منشآت الطاقة وخطوط النقل، وزيادة قدرات التخزين والتكرير، إلى جانب العمل على تأهيل مصفاة بانياس وإعادتها إلى العمل بكفاءة أكبر.
وتقوم المعادلة التي تبحث عنها سوريا على توسيع الإنتاج والتكرير المحليين بالتوازي مع تطوير البنية التحتية للطاقة، بما يقلل فاتورة الاستيراد ويحد من تأثر السوق المحلية بأي ارتفاعات مفاجئة في أسعار النفط أو اضطراب في طرق الإمداد.
وحتى الوصول إلى هذه المرحلة، يبقى التحدي الأكثر إلحاحاً هو ضمان وصول البنزين والمازوت إلى المواطنين والقطاعات الاقتصادية بصورة منتظمة، مع محاولة الحد من انعكاس ارتفاع تكاليف الطاقة على حركة النقل والإنتاج والأسعار في الأسواق.