في خطوة تهدف إلى ضبط السوق النقدي وتعزيز استقرار النظام المالي، شدد حاكم مصرف سورية المركزي صفوت رسلان على حظر طرح الفئات النقدية القديمة في التداول، وإلزام جميع الجهات المالية والمصرفية بتسليم الليرة السورية الجديدة حصراً ضمن عمليات الدفع والتحويل.
وتأتي هذه التوجيهات في وقت يشهد فيه الشارع السوري جدلاً متصاعداً حول قيام بعض شركات الحوالات والصرافة بتسليم المواطنين مستحقاتهم بالعملة القديمة خلال الفترة الماضية، ما أثار تساؤلات واسعة حول خلفيات هذه الممارسات، وما إذا كانت تعود إلى نقص في السيولة اللوجستية أم ترتبط بعمليات تحايل مالي أو شبهات غسل أموال.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماه، أن هذه الظاهرة تحتاج إلى قراءة اقتصادية معمقة، في ظل تساؤلات جوهرية حول طبيعة ما يجري: هل هو عجز فعلي في توفر العملة الجديدة، أم استغلال لثغرات تنظيمية في مرحلة التحول النقدي؟
ضغط لوجستي في عملية استبدال العملة
وأوضح الدكتور محمد أن عملية استبدال عملة بهذا الحجم تواجه تحديات لوجستية كبيرة، خاصة أن حجم الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي قبل الإصدار الجديد يُقدَّر بنحو 40 تريليون ليرة سورية، وهو رقم ضخم يجعل عملية الاستبدال خلال فترة لا تتجاوز 90 يوماً عبئاً ثقيلاً على المصارف وشركات الصرافة.
وأشار إلى أن المصرف المركزي، رغم تأكيده مرونة العملية وتوفيرها لجميع المواطنين، لم يوضح بشكل تفصيلي آليات توزيع السيولة الجديدة على مختلف المنافذ بشكل متزامن، ما قد يخلق فجوات مؤقتة في التغطية النقدية، خصوصاً في المناطق البعيدة أو خلال فترات الذروة المالية مثل بداية الشهر.
وأضاف أن هذا العجز المؤقت قد يدفع بعض شركات الصرافة إلى تسليم الرواتب والحوالات بالعملة القديمة باعتبارها ما تزال قانونية خلال فترة التعايش النقدي، إلا أن ذلك يطرح تساؤلات حول عدم التزام هذه الجهات بإعادة تدوير العملة عبر القنوات الرسمية.
تساؤلات حول مخاطر التحايل المالي وغسل الأموال
ويرى الخبير الاقتصادي أن التفسير اللوجستي وحده لا يكفي لتفسير استمرار هذه الممارسات، مشيراً إلى وجود مؤشرات محتملة على مخاطر أعمق تتعلق بالتحايل المالي واستخدام الثغرات التنظيمية.
ويشير إلى أن أنظمة مكافحة غسل الأموال غالباً ما تعتمد سقوفاً وإجراءات تدقيق صارمة عند استبدال الكتل النقدية الكبيرة، بهدف تتبع مصادر الأموال غير المشروعة، لافتاً إلى أن تمرير الرواتب والحوالات بالعملة القديمة قد يتيح إعادة تدوير الكتلة النقدية خارج المسارات الرقابية المباشرة.
كما أضاف أن الفجوة بين التعليمات الرسمية والتطبيق العملي قد تخلق بيئة قابلة للاستغلال، خاصة في ظل وجود مخزون نقدي كبير من الفئات القديمة داخل السوق، ما قد يؤدي إلى عمليات مبادلة غير مباشرة خارج النظام المصرفي.
فجوة السعر وضغوط السوق الموازي
ومن جانب آخر، أشار الدكتور محمد إلى أن استمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازي يزيد من تعقيد المشهد، حيث يمكن أن تستغل بعض الجهات اختلاف خصائص العملة الجديدة والقديمة في عمليات المراجحة أو التخزين النقدي.
كما لفت إلى أن تكاليف إدارة عملية الاستبدال، بما فيها النقل والفرز والتدقيق، قد تدفع بعض الشركات إلى تفضيل استخدام العملة القديمة لتجنب أعباء لوجستية إضافية، وهو ما ينعكس على مستوى الالتزام بالسياسات النقدية الجديدة.
ما بين القصور التنفيذي والفرص التنظيمية
ويرجح الخبير أن السبب الأساسي لهذه الظاهرة يعود إلى مزيج من التحديات التنفيذية في توزيع السيولة الجديدة، إلى جانب وجود فرص استغلال تنظيمية في المرحلة الانتقالية، ما يضعف من فعالية الرقابة النقدية في هذه الفترة الحساسة.
توصيات لتعزيز الرقابة النقدية
وفي ختام تحليله، دعا الدكتور محمد إلى ضرورة تشديد الرقابة على شركات الصرافة، من خلال فرض عقوبات صارمة على المخالفين، وربط عمليات الدفع والتسوية باستخدام العملة الجديدة بشكل إلزامي، مع تحديد سقف زمني نهائي لإيقاف التعامل بالفئات القديمة.
كما شدد على أهمية تعزيز الشفافية من خلال نشر تقارير دورية حول حجم استبدال العملة وتوزيع السيولة الجديدة، بما يسهم في تعزيز الثقة بالسياسة النقدية ويحد من أي محاولات للتلاعب أو التحايل.
وختم بالقول إن نجاح عملية التحول النقدي يتطلب حوكمة صارمة وإجراءات تنفيذية دقيقة، وإلا فإن الهدف الأساسي من الإصدار الجديد، المتمثل في ضبط الكتلة النقدية وإعادة هيكلة النظام المالي، قد يواجه تحديات جدية على أرض الواقع.