في خطوة تُعد من أبرز التحولات في مسار تحديث المنظومة القضائية في سوريا، أصدرت محكمة النقض السورية قراراً غير مسبوق يقضي باعتماد وسائل التبليغ الإلكتروني كوسيلة رسمية معترف بها قانونياً، ومنحها ذات القوة القانونية التي يتمتع بها “التبليغ بالذات”، في تحول جذري يطال آليات التقاضي ويهدف إلى تسريع الفصل في القضايا.
ويأتي القرار الصادر عن الهيئة العامة السباعية ليضع حداً لمعاناة طويلة ارتبطت بإجراءات التبليغ التقليدية، التي غالباً ما كانت تُعد من أبرز أسباب تأخير الدعاوى وتعقيد مسارها داخل المحاكم.
وبموجب القرار الجديد، أصبح بالإمكان اعتماد وسائل التواصل الاجتماعي أو الرسائل النصية كقنوات رسمية لتبليغ الخصوم، على أن يُعتبر التبليغ عبر هذه الوسائل بمثابة تبليغ شخصي مباشر، مع ما يترتب عليه من آثار قانونية كاملة.
هذا التغيير يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من “التقاضي الرقمي”، ويُتوقع أن يخفف الضغط عن المحاكم ويقلل من حالات التهرب أو تعذر التبليغ التي كانت تعيق سير العدالة.
وشدد القرار على إلزام المدعي بتقديم عنوان دقيق ومفصل للمدعى عليه عند تسجيل الدعوى، مع تحميله المسؤولية الكاملة عن صحة هذه البيانات. كما منع القضاة من قبول أو التأشير على أي دعوى في حال لم يتم استيفاء هذه المعلومات، ما يعزز من جدية الإجراءات منذ اللحظة الأولى.
دومن أبرز ما تضمنه القرار، فرض اعتماد عنوان إلكتروني موحد لكل طرف من أطراف الدعوى، سواء كان شخصاً طبيعياً أو وكيلاً قانونياً، على أن يبقى هذا العنوان معتمداً في جميع مراحل التقاضي، بما في ذلك الطعون ودعاوى المخاصمة.
ولا يمكن تعديل هذا العنوان إلا عبر تسجيل رسمي داخل ملف الدعوى، وفي حال عدم القيام بذلك، يبقى التبليغ على العنوان السابق صحيحاً ونافذاً بكامل آثاره القانونية.
القرار لم يقتصر على القضايا المدنية، بل امتد ليشمل مختلف أنواع الدعاوى، بما فيها القضايا الجزائية، وذلك في الحالات التي لا يوجد فيها نص قانوني خاص ينظم آلية التبليغ، ما يعكس توجهاً شاملاً نحو توحيد الإجراءات القضائية وتبسيطها.
وتسعى هذه الخطوة إلى تحقيق ما يُعرف بـ”العدالة الناجزة”، من خلال اختصار الوقت الذي كانت تستغرقه عمليات التبليغ التقليدية، والتي كانت تعتمد على الوسائل الورقية وتواجه عراقيل لوجستية وإدارية.
ويرى متابعون أن اعتماد التبليغ الإلكتروني يمثل نقلة نوعية في بيئة العمل القضائي في سوريا، وقد يشكل مدخلاً لتوسيع استخدام التقنيات الرقمية في مجالات أخرى ضمن المنظومة العدلية، بما يعزز الكفاءة ويواكب التطورات العالمية في إدارة العدالة.
قرار محكمة النقض السورية باعتماد التبليغ الإلكتروني لا يمثل مجرد تعديل إجرائي، بل خطوة استراتيجية نحو تحديث القضاء السوري، وتقليل زمن التقاضي، وتعزيز الشفافية والكفاءة في إدارة الدعاوى، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول رقمية تواكب التحديات الراهنة.