أعاد تصريح رسمي صادر عن وزارة العدل السورية فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ البلاد الحديث، والمتعلق بعمل المحاكم الميدانية خلال سنوات الصراع، وما خلّفته من تبعات قانونية وإنسانية ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.
وكشف وزير العدل، مظهر الويس، في حديث لوسيلة إعلام محلية، عن توثيق أكثر من 96 ألف حالة إعدام صدرت عن محاكم ميدانية خلال فترة حكم النظام السابق، موضحًا أن نحو 30 ألف شخص أُعدموا بشكل مباشر، فيما توفي عشرات الآلاف الآخرين نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة أثناء فترات احتجازهم ومحاكمتهم.
أرقام تعكس طبيعة المرحلة
بحسب الوزير، فإن هذه الأرقام تستند إلى وثائق وشهادات جرى جمعها خلال عمليات توثيق رسمية، وتشير إلى نمط قضائي استثنائي كان سائدًا في تلك المرحلة، حيث غابت المعايير القانونية المتعارف عليها، وحلّت محلها إجراءات سريعة ومغلقة، لا تتيح حق الدفاع أو الطعن في الأحكام.
ويؤكد مختصون في الشأن القانوني أن المحاكم الميدانية، بطبيعتها، لا تستوفي شروط العدالة، وغالبًا ما تُنشأ في سياقات النزاعات المسلحة لتكريس أحكام فورية، وهو ما يضع مخرجاتها محل تشكيك قانوني وحقوقي واسع.
تداعيات اجتماعية وإنسانية مستمرة
لا تتوقف آثار هذا الملف عند حدود الأرقام، إذ ما تزال آلاف العائلات السورية تبحث عن مصير أبنائها المفقودين، وسط غياب معلومات رسمية دقيقة لسنوات طويلة. ويرى متابعون أن إعادة فتح هذا الملف تمثل خطوة أساسية في مسار كشف الحقيقة، وتخفيف العبء النفسي والاجتماعي عن ذوي الضحايا.
كما تسلط هذه المعطيات الضوء على حجم التحديات التي تواجهها أي عملية عدالة انتقالية مستقبلية، سواء من حيث توثيق الانتهاكات، أو تحديد المسؤوليات، أو ضمان عدم تكرار ما حدث.
بين التوثيق والمساءلة
يشير مراقبون إلى أن الإعلان عن هذه الأرقام يعكس توجّهًا نحو تنظيم الملفات القضائية العالقة، ويمهّد لنقاش أوسع حول سبل المعالجة القانونية، بما يشمل إعادة النظر في الأحكام الصادرة سابقًا، وتعويض المتضررين وفق أطر قانونية واضحة.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء أن الشفافية في عرض المعلومات، حتى وإن كانت صادمة، تُعد شرطًا أساسيًا لبناء الثقة العامة، وإرساء قواعد دولة القانون، خصوصًا في المجتمعات الخارجة من النزاعات.
أهمية الكشف للرأي العام
إعادة تسليط الضوء على ملف المحاكم الميدانية لا تحمل بعدًا قانونيًا فحسب، بل تمس حياة آلاف الأسر السورية بشكل مباشر، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول العدالة، والمحاسبة، وحقوق الإنسان، في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.
وبينما يستمر الجدل حول آليات التعامل مع هذا الإرث الثقيل، يرى كثيرون أن الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف، والتوثيق، وفتح المجال أمام نقاش مجتمعي وقانوني واسع، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو الخطاب التحريضي.