أعادت وثائق أميركية أُفرج عنها مؤخرًا فتح النقاش حول طبيعة التعاطي الدولي مع الثورة السورية في مراحلها الأولى، مسلطة الضوء على كواليس سياسية ودبلوماسية أثّرت بشكل مباشر على مسار الدعم المقدم للمعارضة المسلحة آنذاك، وما تبعه من تداعيات عسكرية وسياسية طويلة الأمد.
وبحسب الوثائق، التي نُشرت ضمن ملفات واسعة أُتيحَت للرأي العام في سياق تحقيقات وزارة العدل الأميركية، برزت معطيات تشير إلى دور أميركي في توجيه مسار الدعم الإقليمي للمعارضة السورية، خاصة ما يتعلق بملف التسليح خلال عامي 2011 و2012، وهي فترة وُصفت بأنها مفصلية في تحديد موازين القوى على الأرض.
مراسلات تكشف تباينات دولية
تشير إحدى المراسلات المؤرخة في تموز/يوليو 2012 إلى أن واشنطن أوصت دولًا خليجية بعدم المضي في تقديم دعم عسكري مباشر للجيش السوري الحر، واقترحت بدلًا من ذلك متابعة الملف عبر قنوات بريطانية، في إشارة إلى اعتقاد أميركي آنذاك بأن لندن قادرة على لعب دور وسيط أكثر تأثيرًا في صياغة الموقف الغربي.
ونُقلت هذه المعلومات، وفق ما ورد في الوثائق، عن بسمة قضماني، التي كانت عضوًا في المجلس الوطني السوري، خلال لقاء جمعها بمسؤول أوروبي، في وقت كانت فيه المعارضة تسعى إلى انتزاع اعتراف ودعم دولي أوسع.
ارتباك سياسي وتحديات ميدانية
تسلط الوثائق الضوء أيضًا على حالة الارتباك التي عاشتها مؤسسات المعارضة السياسية في تلك المرحلة، بالتزامن مع تعثر المساعي الدبلوماسية داخل مجلس الأمن الدولي، وفشل المجتمع الدولي في التوصل إلى موقف موحد تجاه التطورات الميدانية في سوريا.
وعلى الصعيد العسكري، تكشف الوثائق عن واقع معقد اتسم بتعدد الفصائل وغياب القيادة الموحدة، حيث ضمّت بعض المناطق عشرات التشكيلات المسلحة المستقلة، ما حدّ من فاعلية العمل العسكري، وفتح الباب أمام اختراقات أمنية واستثمار النظام السابق لحالة الانقسام لصالحه.
تأثير السياسات الدولية على مسار الصراع
ويرى متابعون أن هذه الوثائق، بغض النظر عن الجدل المرافق لمصدرها وتوقيتها، تعكس جانبًا من التباينات بين العواصم الغربية حول كيفية التعامل مع الملف السوري، وتُظهر كيف أثّرت الحسابات الدولية المعقدة على خيارات الدعم، وعلى قدرة المعارضة في بناء قوة منظمة قادرة على فرض معادلات جديدة على الأرض.
كما تعيد هذه المعطيات طرح أسئلة قديمة متجددة حول فرص ضاعت في بدايات الثورة، والدروس المستخلصة من تلك المرحلة، خاصة في ما يتعلق بأهمية وحدة القرار السياسي والعسكري، وتأثير العامل الدولي في النزاعات الداخلية.
خلفية عن نشر الوثائق
يأتي نشر هذه الوثائق ضمن ملايين الملفات التي أُفرج عنها في إطار التحقيقات المرتبطة بقضية رجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين، وهي ملفات أثارت اهتمامًا عالميًا بسبب تشعبها بين قضايا قانونية وسياسية، واحتوائها على مراسلات وتقارير تعود لسنوات سابقة.
وبينما يستمر الجدل حول دلالات هذه الوثائق ومصداقية بعض ما ورد فيها، يرى محللون أنها تشكل مادة إضافية لفهم السياق الدولي الذي أحاط بالثورة السورية، وتساعد على قراءة تلك المرحلة بعيدًا عن السرديات المبسطة أو الأحكام المسبقة.