عاد ملف الشركات النفطية الأجنبية التي انسحبت من سوريا خلال السنوات الماضية إلى الواجهة، مع الحديث عن احتمال عودة بعض الشركات للعمل، أو الدخول في مفاوضات لتسويات مالية نهائية. ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا الاقتصادية تعقيدًا، نظرًا لتداخل أبعاده القانونية والمالية مع آثار بنيوية عميقة طالت قطاع الطاقة.
ولا يقتصر هذا الملف على حساب مستحقات مالية أو بنود تعاقدية، بل يطرح سؤالًا أوسع حول كيفية تحقيق تسوية عادلة تحفظ حقوق الدولة، ولا تُحمّل الاقتصاد أعباء إضافية في مرحلة شديدة الحساسية.
كيف كانت الشراكات النفطية قبل الانسحاب؟
قامت الشراكات النفطية تاريخيًا على صيغة متبادلة المنفعة، حيث تولّت الشركات الأجنبية تمويل عمليات الاستكشاف والإنتاج، وقدّمت خبراتها الفنية وتقنياتها المتقدمة، مقابل حصولها على نسبة محددة من الإنتاج النفطي وفق العقود الموقعة.
في المقابل، وفّرت الدولة الموارد الطبيعية، والإطار القانوني، والتسهيلات الإدارية، إضافة إلى الكوادر الوطنية التي استفادت من نقل الخبرات والتدريب، مع تجنّب تحمّل المخاطر المالية المباشرة.
أين بدأت الأزمة؟
لم يكن الخلل في جوهر هذه الشراكات، بل في الانسحاب الجماعي لشركات دولية كبرى نتيجة العقوبات السياسية المفروضة، وهو انسحاب لم يكن مرتبطًا بعوامل فنية أو اقتصادية داخلية، بل بقرارات خارجية أثّرت بشكل مباشر على قطاع الطاقة.
هذا الانسحاب المفاجئ خلّف سلسلة من الآثار السلبية، أبرزها:
تراجع حاد في إنتاج النفط والغاز
توقف الاستثمارات والتطوير التقني
أضرار بنيوية لحقت ببعض الحقول نتيجة غياب الإدارة الفنية المتخصصة
تعثّر برامج نقل الخبرة وتطوير الكوادر
معضلة التسوية اليوم
اليوم، تطالب بعض الشركات المنسحبة باسترداد ما تبقى من استثماراتها أو تسوية حقوقها وفق العقود الأصلية. ويُعد هذا المطلب مفهومًا من زاوية قانونية، كون هذه الشركات أنفقت فعليًا أموالًا واستثمارات.
لكن في المقابل، فإن تجاهل حجم الضرر الذي لحق بالقطاع النفطي نتيجة الانسحاب يُعد خللًا في ميزان العدالة. فالتسوية العادلة لا يمكن أن تقوم على طرف واحد فقط، بل يجب أن تُوازن بين الحقوق التعاقدية والأضرار الوطنية التي نتجت عن الإخلال بالشراكة.
كيف يمكن تحقيق تسوية متوازنة؟
يرى مختصون أن أي تسوية يجب أن تستند إلى مبدأ المقاصة، أي موازنة مطالب الشركات مع كلفة الأضرار التي لحقت بالحقول والإنتاج والبنية التحتية، مع الاستفادة من أدوات قانونية وتأمينية متاحة في مثل هذه العقود.
وتشمل السيناريوهات المطروحة:
تنازل متبادل عن جزء من المطالبات المالية
تحويل المستحقات إلى شراكات مستقبلية في إعادة التأهيل أو تطوير الحقول
تسويات مالية مخفّضة جدًا، تستند إلى تقارير فنية وقانونية دقيقة
ويمثل قطاع النفط والغاز أحد أعمدة الاقتصاد، وأي تسوية غير مدروسة قد تنعكس على الموارد العامة، والخدمات، وفرص التعافي الاقتصادي. لذلك، فإن إدارة هذا الملف بطريقة متوازنة تُعد خطوة أساسية لحماية المال العام، وضمان ألا تُدفع كلفة أخطاء الماضي من حساب المستقبل.
ويمثل ملف تسوية الشركات النفطية المنسحبة اختبارًا حقيقيًا للقدرة على إدارة الموارد الوطنية بحكمة. فالقضية لا تتعلق فقط بتصفية حسابات مالية، بل بتحديد مسؤوليات، وتعويض أضرار، وبناء شراكات مستقبلية أكثر استقرارًا. وأي تسوية تتجاهل هذا البعد قد تتحول إلى عبء طويل الأمد بدل أن تكون مدخلًا للتعافي.