تلوّح نهاية عصر النفط في الأفق، مع تصاعد التحذيرات من اقتراب ذروة الإنتاج والطلب، وسط تباطؤ عالمي في الالتزام بالتحول إلى الطاقة النظيفة، رغم التعهدات المناخية المتكررة، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام مفترق طرق حاسم خلال السنوات المقبلة.
وتشير تقارير دولية إلى أن النفط قد يبلغ ذروة الإنتاج خلال فترة قصيرة، في وقت يتزايد فيه الجدل حول موعد وصول الطلب العالمي إلى ذروته، بين توقعات متفائلة تراهن على تسارع التحول الطاقي، وأخرى متشائمة ترى استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري لعقود. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية استقرار الطلب عند نحو 102 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030، فيما تتوقع منظمة أوبك استمرار الارتفاع ليصل إلى 123 مليون برميل يومياً بحلول 2050.
وتعود فكرة “ذروة النفط” إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما حذّر الجيولوجي الأمريكي إم. كينغ هوبيرت من بلوغ الإنتاج أقصى طاقته ثم تراجعه الحتمي مع نضوج الحقول. غير أن تغير المناخ أعاد صياغة النقاش، لينتقل القلق من ندرة النفط إلى مصير الطلب عليه، في ظل توسع السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، مقابل مقاومة سياسية وتشريعية تعيق هذا التحول في عدد من الدول.
وتكشف سيناريوهات حديثة لوكالة الطاقة الدولية، أُعيد تفعيلها تحت مسمى “السياسات الحالية”، أن تباطؤ نمو الإمدادات بعد عام 2028 سيزيد الاعتماد على دول أوبك في الشرق الأوسط، محذّرة من أن الطلب قد يبلغ 113 مليون برميل يومياً بحلول 2050 إذا لم تُنفذ التعهدات المناخية. كما تحذّر الوكالة من تراجع الإنتاج من الحقول الحالية بنحو 8% سنوياً دون استثمارات ضخمة.
وتتفق أوبك ووكالة الطاقة الدولية على خطر مشترك يتمثل في تراجع الاكتشافات النفطية الجديدة إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، مع اعتماد متزايد على النفط الصخري والمياه العميقة سريعة النضوب. ويرى باحثون أن طفرة التكسير الهيدروليكي في الولايات المتحدة تقترب من نهايتها، مع استنفاد أفضل مواقع التنقيب وتسارع معدلات التراجع.
ويرجّح باحثون مستقلون، من بينهم أنطونيو توريل من معهد “CSIC” الإسباني، أن العالم أقرب إلى ذروة إنتاج النفط مما تعترف به الوكالات الدولية، مشيراً إلى أن 80% من الحقول تجاوزت ذروة إنتاجها، ومتوقعاً بدء انخفاضات حادة قد تصل إلى 5% سنوياً قبل عام 2030، مع احتمال تراجع الإنتاج العالمي إلى النصف خلال عشرين عاماً.
وتبرز فجوة متسعة بين الوعود المناخية والسياسات المطبّقة فعلياً، إذ تلتزم دول محدودة مثل النرويج والصين والاتحاد الأوروبي بتسريع التحول إلى الطاقة النظيفة، بينما تتراجع دول أخرى عن دعم هذا المسار، ما قد يؤخر الابتعاد العالمي عن الوقود الأحفوري ويعمّق المخاطر الاقتصادية والمناخية.
ويتوقّع خبراء أن تتكثف خلال المرحلة المقبلة النقاشات الدولية حول أمن الطاقة، والاستثمار في البدائل النظيفة، وسد الفجوة بين السياسات المعلنة والتنفيذ الفعلي، في ظل سباق مع الزمن لتفادي صدمات طاقية واقتصادية محتملة.