كشف تحقيق موسّع نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 التحديات التي واجهت المحاكمات الأولى في سوريا الجديدة، مؤكداً أن البلاد “خطت بحذر” نحو العدالة الانتقالية بعد عام واحد من سقوط بشار الأسد، وسط تعقيدات تتعلق بملفات الانتهاكات السابقة وتجاوزات ما بعد تشكيل الحكومة الجديدة.
وأظهر التحقيق نتائج عمل ميداني امتد لأشهر داخل سوريا، قاده الصحافيان كارلوتا غال وسعد النصيفي، حيث تنقلا بين المناطق المتضررة وعاينا آثار العنف والتقيا مسؤولين وقضاة وناجين، وصولاً إلى مقابلة خاصة مع القاضي جمعة الدبّيس العنزي، أحد أبرز المسؤولين القضائيين في البلاد.
وأوضح القاضي العنزي، الذي ترأس لجنة تقصّي الحقائق المكلّفة بالتحقيق في أحداث العنف الطائفي على الساحل السوري، أنه جمع شهادات أكثر من 900 شخص من مختلف الأطراف، مؤكداً أن اللجنة حدّدت 298 مشتبهاً من الفصائل الموالية للحكومة و265 من الموالين للنظام السابق، وأن الأسماء سُلّمت إلى الشرطة لاستكمال الإجراءات. وأضاف: “هناك المزيد ممن لم يُعرَف بعد… والأمر الآن بيد الحكومة”.
ونقل التحقيق ما دار بين القاضي والرئيس أحمد الشرع خلال عدة اجتماعات، حيث أكد الرئيس أنّ “الحقيقة مسؤوليتكم، والمحاسبة مسؤوليتي”، في إشارة إلى التزام حكومي بإدارة ملف العدالة الانتقالية وفق مسار مؤسسي.
بدأت محكمة مدنية في مدينة حلب أولى جلسات محاكمة 14 متهماً بارتكاب انتهاكات خلال أحداث آذار الماضي في الساحل، بينهم عناصر سابقون في جيش النظام المنهار وآخرون قاتلوا إلى جانب الحكومة الجديدة، فيما أنكر معظم المتهمين التهم الموجهة إليهم.
وأظهر التحقيق انقساماً داخل الشارع السوري حول أداء لجنة تقصّي الحقائق، إذ نقلت الصحيفة انتقادات الناشط الحقوقي نبيه نبهان الذي رأى أن اللجنة “قلّلت من أعداد الضحايا وبرّأت الحكومة من المسؤولية”، مقابل آراء حقوقيين آخرين اعتبروا عمل اللجنة أول جهد رسمي لمحاسبة الانتهاكات منذ عقود.
وضع التقرير الوقائع في سياقها الأوسع، مشيراً إلى أن أعمال العنف على الساحل — التي قُتل فيها أكثر من 1,400 شخص معظمهم من الطائفة العلوية — شكّلت أول اختبار حقيقي للحكومة الجديدة، في ظل ضعف أمني وقضائي ورثته البلاد عن سنوات الحرب والقمع. كما استشهد التحقيق بتقرير صادر عن مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بتاريخ 14 آب/أغسطس، الذي وصف الانتهاكات بأنها “واسعة ومنهجية”، ودعا إلى توسيع التحقيقات.
واختتم تحقيق نيويورك تايمز بالإشارة إلى تصريحات الرئيس الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي، حين أكد أنه “سيُحاسب كل متورط بسفك الدماء، أياً كان”. وشدد التحقيق على أن العدالة الانتقالية في سوريا ما تزال في بدايتها، وأن الطريق نحو معالجة إرث 14 عاماً من الجرائم ما يزال طويلاً وسط مؤسسات قضائية وسياسية هشة.