شهدت ساحة المسجد العمري في درعا البلد حالة من التوتر الأمني قبيل صلاة الجمعة، بعد وقوع مشادة كلامية حادة بين مجموعة من الشبان المحليين ورجل الأعمال خالد المحاميد، سرعان ما تطورت إلى إطلاق نار من قبل مسلحين مرافقين له، عقب منعه من دخول المسجد.
عاد المحاميد إلى درعا بعد غياب طويل في الخارج، حيث كان من أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا في عملية التسوية عام 2018، والتي انتهت بسيطرة النظام السوري وحلفائه على الجنوب، وهو ما جعل عودته تثير غضبًا واسعًا بين الأهالي.
وأدى ذلك إلى اندلاع فوضى في ساحة المسجد، حيث أظهر مقطع مصور لحظة تصاعد التوترات، متبوعة باشتباك بالأيدي داخل المسجد أثناء وجود مئات المصلين، وسط انقسام الشارع بين مؤيدين ومعارضين لما حدث.
المحاميد: شخصية مثيرة للجدل في الجنوب السوري
يُعرف خالد المحاميد بكونه أحد العرّابين الأساسيين لمصالحة عام 2018 بين النظام السوري وفصائل المعارضة برعاية روسية، وهي الاتفاقية التي أنهت سيطرة الفصائل المسلحة على درعا وأعادت سلطة النظام، مما جعله شخصية محل جدل ونقمة شعبية، خاصة في مسقط رأسه.
ورغم مساهمته في مشاريع إعادة الإعمار، مثل ترميم المسجد العمري والمشاريع الخيرية، إلا أن مواقفه السياسية وتصريحاته الإعلامية جعلته في مواجهة دائمة مع معارضي النظام.
ومن أبرز تصريحاته المثيرة للجدل:
- عام 2017، قال في مقابلة إن "الحرب بين المعارضة والنظام انتهت"، وهو ما اعتُبر خيانة للثورة.
- عام 2018، شكك في استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي في مجزرة دوما، رغم توثيق المنظمات الدولية للحادثة، مما أثار استياءً واسعًا.
- علاقاته العائلية زادت الشكوك حول دوره في التسويات، إذ أن شقيقته متزوجة من أحمد العودة، قائد "فرقة شباب السنة" سابقًا، التي تحولت لاحقًا إلى "اللواء الثامن" المدعوم من روسيا.
تهدئة الأوضاع بعد تصاعد التوتر
بعد الحادثة، تدخل وجهاء عشائر درعا البلد لاحتواء التوتر، وتمت إعادة إدخال المحاميد إلى المسجد العمري برفقة شخصيات اجتماعية، حيث أُقيمت صلاة العصر بشكل جماعي كإشارة لإنهاء الخلاف.
إلا أن نشطاء محليين حذروا من احتمال تصاعد الأحداث مجددًا، وسط مخاوف من وقوع اشتباكات عشائرية، مطالبين الجهات الأمنية والوجهاء بالتدخل الفوري لمنع أي مواجهات.
هل يمكن التسامح؟ حادثة المسجد تعيد الجدل حول المصالحة
ما جرى في درعا يعكس الانقسام العميق في المجتمع السوري، خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع الشخصيات التي لعبت دورًا رئيسيًا في المرحلة السابقة، مثل مشايخ النظام والشخصيات السياسية التي دعمت الأسد في المحافل الدولية.
ويرى البعض أن دعوات المصالحة والتسامح، التي طرحها الرئيس السوري أحمد الشرع، تواجه عقبات كبيرة، إذ يبدو أن المجتمع السوري يرفض أي شكل من أشكال التسوية مع الشخصيات التي يعتبرها مسؤولة عن معاناته.
السؤال الأهم: هل يمكن طي صفحة الماضي؟
أكد الرئيس السوري سابقًا أن بناء الدولة السورية يجب أن يكون الأولوية، معتبرًا أن "عقلية الثأر لا تبني دولة"، داعيًا إلى التسامح مع من لم تتلطخ أيديهم بالدماء، لكنه شدد في الوقت ذاته على أنه لا تسامح مع مرتكبي الجرائم بحق الشعب السوري.
ومع استمرار الجدل حول الشخصيات التي ساهمت في تسويات سابقة، يبقى السؤال: هل يمكن تحقيق مصالحة حقيقية، أم أن الذاكرة الشعبية أقوى من أي محاولة للتهدئة؟